ابو القاسم عبد الكريم القشيري

171

الرسالة القشيرية

وقيل : إن أبا عمرو بن نجيد ، في ابتداء أمره ، اختلف إلى مجلس أبى عثمان « 1 » ، فأثر في قلبه كلامه ، فتاب . ثم إنه وقعت له فترة ، فكان يهرب من أبى عثمان إذا رآه ، ويتأخر عن مجلسه فاستقبله أبو عثمان يوما فحاد أبو عمرو عن طريقه ، وسلك طريقا أخرى ، فتبعه أبو عثمان . . فما زال به يقفو أثره ، حتى لحقه ، فقال له : يا بنى ، لا تصحب من لا يحبك إلا معصوما ، إنما ينفعك أبو عثمان في مثل هذه الحالة . قال : فتاب أبو عمرو بن نجيد ، وعاد إلى الإرادة « 2 » ، ونفذ فيها . سمعت الشيخ أبا على الدقاق ، رحمه اللّه ، يقول : تاب بعض المريدين ، ثم وقعت له فترة « 3 » ، فكان يفكر وقتا : لو عاد إلى توبته « 4 » كيف حكمه ؟ فهتف به هاتف : يا فلان ، أطعتنا فشكرناك ، ثم تركتنا فأمهلناك ، وإن عدت إلينا قبلناك . فعاد الفتى إلى الإرادة . ونفذ فيها . فإذا ترك المعاصي ، وحل عن قلبه عقدة الإصرار ، وعزم أن لا يعود إلى مثله ، فعند ذلك يخلص إلى قلبه صادق الندم ، فيتأسف على ما عمله ، ويأخذ في التحسر على ما صنعه « 5 » من أحواله ، وارتكبه من قبيح أعماله ، فتتم توبته ، وتصدق مجاهدته ، واستبدل « 6 » بمخالطته العزلة ، وبصحبته مع اخوان السوء التوحش عنهم ، والخلوة دونهم ويصل ليله بنهاره في التلهف « 7 » ، ويعتنق في عموم أحواله بصدق التأسف ، يمحو بصوب عبرته آثار عثرته ، ويأسو « 8 » بحسن توبته كلوم « 9 » حوبته « 10 » ويعرف من بين أمثاله بذبوله ، ويستدل على صحة حاله بنحو له . ولن يتم له شئ من ذلك إلا بعد فراغه من إرضاء خصومه ، والخروج عما لزمه من مظالمه ؛ فان أول منزلة من « 11 » التوبة إرضاء الخصوم بما أمكنه ، فان اتسع

--> ( 1 ) سعيد بن سلام الحراني . ( 2 ) الحالة التي فتر عنها . ( 3 ) عودة إلى مكان عليه قبل التوبة . ( 4 ) وفي نسخة « التوبة » . ( 5 ) وفي نسخة « ضبعه » . ( 6 ) وفي نسخة « ويستبدل » . ( 7 ) أي التحسر . ( 8 ) بداوى . ( 9 ) جروح . ( 10 ) أثمه . ( 11 ) وفي نسخة في .